عمر بالهادي                      قسم الجغرافيا                  كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية                                                          جامعة تونس


 نموذج التوطن الحضري للأنشطة الاقتصادية
 
 نموذج ونقو - ألنسو  (
Wingo - Alonso)
 

 

       بالإضافة إلى النماذج الوصفية التي وضعت لفهم التنظيم الحضري بداية من مطلع القرن الماضي وحاصة مدرسة شيكاغو الأمريكية حيث نجد نماذج كل من بارجس وهويت وأولمان الذين إستنبطوا نماذجهم من نفس المدينة لكن بعد فترة تزيد عن عشرة سنوات في كل مرة وهو ما يبين أن التوطن يتطور وأن نفس المدينة يمكن أن تخضع لنماذج مختلفة.  فالدراسة التي  قام بها بارجيس (Burgess) بينت أن الأنشطة تتوطن في المدينة في شكا احزمة ينمو كل منه ويتوسع على خساب الحزام الخارجي مستوحيا ذلك من السلوك الحيواني وعلاقة الحيوان بالتراب.

         فحول إقليم الأعمال المركزية نجد منطقة غنتقالية تضم الصناعات الخفيفة والسكن العمالي ثم نجد منطقة السكن الثري واخيرا منطقة الهجرة.

         أما هويت (Hoyt) في الثلاثينات فقد توصل إلى تنظيم قطاعي يطغى عليه البعد الاحتماعي والتفرقة بين الفئات حيث يؤدي التجمع والأنفصال الأجتماعي إلى تركز وتفرقة مجالية بين الطبقات الاجتماعية. وبصفة عامة نجد ان الطبقات المتوسطة تتوطن بين الطبقات الغنية والطبفات الفقيرة.

         وفي منتصف الخمسينات توصل أولمان (Ullmann) إلى نموذج توطني متعدد المراكز خيث أصبحت المدينة تنتظم حول عدت مراكز ومناطق تشغيل كالمناطق الصناعية .

 

         من جهة أخرى نجد نماذج تفسيرية تعتمد على الإستدلال والتكميم وتحديد العلاقات التي تربط مختلف العناصر. من بين هذه النماذج نجد نموذج ألنسو وونقوبالنسبة للأنشطة الحضرية وكذلك سولو وريتشاردسون في مستوى السكن.

       في المدينة, كل شيء ينتظم تبعا لمركز المدينة وتكلفة النقل أما اشتغال الأرض  فيذكرنا بنموذج التوطن الزراعي لفون تونن الذي ري ريناه سابقا. إما الأسر فتتوزع في المدينة حسب المسافة عن المركز والموارد الذاتية.

         يمثل مركز المدينة أنسب موضع لتوطن الانشطة الاقتصادية ومختلف الشرائح الاجتماعية للأسر نظرا لموقعه المركزي ولإرتفاع مستوى نفاذيته وإرباحية أنشطته وإشعاعها. وهو ما يجعل المنافسة على إشدها للتوطن في المركز وإحتلال موقع مناسب فيه مما يظفي على الريع الموقعي أهمية بالغة.

         بحكم هذا التنافس ترتفع القيمة العقارية للأرض وتبلغ إقصاها في المركز وتتراجع في اتجاه الأطراف حيث تصل إلى حدود القيمة الزراعية للأرض. فالريع الموقعي يحدد التنظيم المجالي للمدينة حسب احزمة متتالية ةمتراكزة ومتدرجة تبعا للمردود المجالي للأنشطة الإقتصادية.

         من ناحية أخرى نلاحظ أن تكلفة النقل ترتفع في الإتجاة المعاكس حيث ترتفع من وسط المدينة في إتجاه أطرافها كما يبينه الرسم الموالي.

 

القيمة العقارية                                                          تكلفة النقل

    المركز           الريع الموقعي              م     المركز   تكلفة النقل                        م

  

         ففي وسط المدينة تتوطن أنشطة قطاع الخدمات العالي القادرة على تحمل القيم العقارية المرتفعة جدا سواء في شكل تملك أو تسوغ للأرض. فنجد في المركز الأنشطة المالية كالبنوك والتأمين والتجارة النادرة والإدارة وجل الأنشطة المركزية في الحي المركزي (City) أو إقليم الأعمال المركزية (Central Busness District - CBD). ومند القديم قامت المدن حول ثلاثية السلطة السياسية و الاقتصادية والدينية والمتمثلة في البلدية أو قصر الحكم وفي السوق وإخيرا في الجامع أو الكنيسة أوالكناس إو المعبد.

          حول هذا الحزام المركزي نجد في المدن العتيقة السكن الثري ثم السكن المتوسط والصناعات الخفية وإخيرا السكن المتواضع. أما في المدينة الحالية فنجد التجارة المختصة ونصف النادرة ثم الصناعات الخفيفة وأخيرا السكن بمختلف شرائحه حيث السكن الفقير بالقرب من مواطن العمل ثم السكن المتوسط وأخيرا الفئات الغنية التي تملك وسائل النقل الخاصة التي تمكنها من تنقلاتها الذهائيبية اليومية بين المركز والأطراف (Abler et al 1971).

         ومع إمتداد المدن الحديثة وتطور وسائل النقل العصرية فإن الأحزمة تعددت. فحول المركز الخدمي نجد الحزام التجاري الصناعي ويقوم على الترجل ثم الحزام الإنتقالي المتكون من الصناعة والسكن والقائم على النقل العمومي. بعد  ذلك نجد حزاما يعتمد على السيارة يليه حزام الطرقات السريعة وإخيرا السكن بمختلف أطيافه مع توطن مختلف حسب الفئات الاجتماعية (سكن غني, سكن متوسط وسكن فقير) يذكرنا يالنموذج القطاعي لهويت (Hoyt) .

                                الأحزمة : أ : المال والتجارو النادرة . ب: التجارة العادية المجاورة. ج: صناعات خفيفة ومنطقة غنتقالية. د : سكنو

                                                                              نموذج التوطن الحضري

وينتظم المجال الحضري عموما تبعا لأربعة عناصر: الحاجة للمساحة – التكلفة بما في ذلك التكلفة العقارية – المركزية والإشعاع أو منطقة التـأثير. فكلما كانت الخدمة نادرة ارتفع شعاع تأثيرها  

وبالتالي حاجتها إلى المركزية  كمت هو الحال بالنسبة إلى التجارة النادرة والإدارة المركزية والصناعات وخدمات الترفيه... وهي وظائف مركزية يتجاوز إشعاعها المدينة ليشمل سكان المناطق المحيطة بها.

         وكلما كانت الحاجة إلى المساحة كبيرة كان التوطن طرفيا وذلك للتخفيف من الإعباء العقارية خاصة التي تمثل النسبة الكبرى من التكلقة مثل الصناعات الثقيلة والتجهيزات العمومية. ونجد نفس الشيء بالنسبة للأسر. فالأسر الغنية أو الكبيرة تلجأ إلى الأطراف لتلبية حاجتها من المساحة حيث تنخفض أسعارالأرض ومن جهة أخرى ترتفع تكلفة التنقل. بهذه الطريقة يقع تقسيم الدخل على كل من النقل والسكن حسب الموقع وإختيار الأسرة والأولوية التي توليها لهذا أوذاك.

         وبما أن عرض الأراضي محدود جدا بالمدينة وخاصة بالمركزفإن كل إرتفاع في الدخل لفئة من الفئات أو لنشاط ما يؤدي بالضرورة إلى تعديل التوطنات الحضرية نظرا إلى أن التوازنات تختل وبما أن قيمة الأرض هي في إرتفاع متواصل فإن الأنشطة التي لا تستطيع تحمل العبء العقاري أو تكون في فترة نمو تضطر إلى الخروج إلى الإطراف تاركة المجال للأنشطة والفئات القادرة على تحمل هذه التكلفة الباهظة.فقانون المنافسة وحده من شأنه أن يدخل حركية مستمرة نتيجتها المنطقية هي حركة مستمرة لإعادة التوطن الحضري.

          فحسب هيرد 1903 (Hurd)  فإن توسع المدينة على الأطراف يخلق ريعا موقعيا يجعل الأسعار ترتفع من الأطراف إلى المركز وبنسق متواز مع حجم المدينة. فالسعر يرتبط إذن بالمسافة عن المركز. أما هايق (Haig 1926)  فيعتبر أن للمجال دورا في الحد من الحراك والحركية (Friction) وأن مجموع نفقات النقل والريع العقاري ثابت. ويعتبر فاهرفاين (Wehrwein 1928) أن تنافس الأنشطة وحركيتها يفسران غرتفاع الأسعار انطلاقا من المركز. فالتوطن السكني يخضع إلى المحيط الاجتماعي والمحيط الطبيعي والنفوذية إلى المركز. أما موت (Muth 1961) فيرى علاقة بين الكثافة ومواطن الشغل بالمركز.        

 إما وينقو1961 (Wingo) فيعتقد أن الأسعار ترتفع في الأتجاه المعاكس أي من المركز إلى الأطراف. فالريع الموقعي يتناسب مع فارق تكلفة.النقل بين نقطة ما وأطراف المدينة, وبالتالي فإن القيمة العقارية ترتفع في إتجاه الأطراف. وهي تخضع إلى مفعول النقل وانخفاض القيم العقارية والنفوذية وكذلك إلى غرتفاع حجم المدينة.  

إرتفاع الأسعار من الأطراف : هارد 1903             إرتفاع الأسعار من المركز: ونقو 1962                         تكلفة النقل والريع العقاري

 

                من جهته نجد أن ماير (Mayer 1965)  يعتبر أن سعر الأرض يخضع إلى أربعة عناصر : قيمة الأرض الزراعية – ريع الاستباق والندرة – التجهيزات – المسافة الفاصلة عن المركز.

                 أما قرانال 1967 و 1969 (Granelle)  فقد بين أن سعر الأرض عملية معقدة ويخضع إلى أربعة عناصر أساسية وهي:

·   السعر الفلاحي للأرض الذي يمثل الحد الأدنى للقيم العقارية الحضرية وهو الدي يفسر إرتفاع الأسعار من الأطراف إلى المركز.

·       تكاليف التهيئة والإستصلاح ومد مختلف الشبكات.

·       ريع الإستباق وهو القيمة المنجرة عن ربح الوقت في التوطن في موضع ريادي.

·   ريع الندرة المتمثلة في القيمة المضافة التي تنجر عن ندرة الأرض أوالموقع وهي التي تفسر إرتفاع الأسعار من المركز في إتجاه الأطراف.

                         والسوق العقارية سوق مجردة ومعقدة تتميز بعدم الشفافية مما يفسر إختلال التوازنات المستمرة بين الطلب والعرض. ويمكن أن يتحدد الريع العقاري بصفة غير مباشرة بالإعتماد على التكلفة العامة النقل (Coût généralisé) للوصول إلى المركز.

.           تؤدي آلية السوق إلى تنظيم حزامي للمدينة تتوزع فيه الأسر والمؤسسات حسب المردود المجالي والموارد. ويمثل نموذج بارجس (Burgess) إلى حد ما شبيها له ولو أن الأسس مختلفة. فالنموذج قد بدأ  به هارد وإستعمله ونقو وصاغة نهائيا ألنسو. ويختلف عن نموذج فون تونن في كون تواجد المستهلك والمنتج قي نفس الوضع وأن الأسر والمؤسسات متداخلة وتواجه نفس المشكل المتمثل في اختيار أنسب توطن في المدينة.

  

عناصر النموذج وصياغته

          يتمثل النموذج في أن الدخل ينقسم إلى ثلاث عناصر هي النقل (ن) والريع (ر) والاستهلاك (إ). ويوجد اتوطن الأمثل عند النقطة التي تؤمن أقل كلفة نقل وأكبر مساحة (مس) للسكن أو للقيام بنشاط اقتصادي وتلبية نسبة كبيرة من الإستهلاك (إ). فالتوطن الأمثل هو الذي يؤمن المنفعة القصوى مع احترام ضغوط الميزانية أو الدخل (د)

القيمة القصوى = (ن.م ، مس ، إ)

د = ن.م + ر.مس(م) + س.إ

حيث د: الدخل، ن: تكلفة النقل، م: المسافة، ر: الريع العقاري أو سعر المتر المربع، مس: المساحة المستازمة على مسافة م من المركز(م2)، س: سعر الوحدات المستهلكة، إ: كمية الاستهلاك. 

         ويمكن أن نصيغ النموذج على شاكلة نموذج فون تونن تبسيطا  للواقع حيث يخضع الدخل إلى عناصر التكلفة الإنتاجية (إ) والنقلية (ن) والسعر (س) بحيث يمكن صياغة النموذج كما يلي:

د = - ن.م + س – إ

     وتشمل التكلفة الإنتاجية التكلفة العقارية والتي تشكل الجزء الأكبر من التكلفة الإجمالية خاصة للخدمات. أما النقل فيتحمله المستهلك بإستثناء الصناعة التي تتحمل تكلفة نقل المواد الأولى وكل المدخلات والمخرجات خلافا لبعض الخدمات التي لا تحتاج إلى نقل السلع.

         وتجدر الإشارة إلى مفهوم الريع يحتم إستعمال مفهوم آخر وهو المردود المجالي (م م) الذي يعكس ما تدره وحدة مساحية (م 2) من دخل (د) أو ربح (ر) مما يمكننا من فهم الريع وانخفاضة من المركز إلى الأطراف حيث يمكن لنا صياغة النموذج بشكل آخر كما يلي:

         مم = - ن.م + س – إ

         ر = - ن.م + س - إ

               بهذه الطريقة فأن كل نشاط له معادلته التي تحدد توطنة في المجال ونقوم بنفس العملية التي رأيناها خلال دراستنا لنموذج فون تونن من تحديد الدخل والمسافة القصويين ونقاط التقاطع وهدد الأنشطة وحدودها.

         

أهمية النموذج وحدوده

          تبين مختلف الدراسات أهمية النموذج في فهم التوطن داخل المجال الحضري  وأن جل المدن وخاصة الكبيرة منها تخضع لهذا التنظيم الحزامي للأنشطة. فكلما كانت المدينة هامة من حيث الحجم كلما كانت الأحزمة واضحة وجلية وفي هذه الحالة حتى المركز ينتطم في شكل طوقي حسب أهمية الخدمات المركزية ومردوديتها.

أما حدوده فتكمن في الفرضيات التي انطلق منها شأنه شأن نموذج فون تونن حيث تنطبق عليه مختلف الملاحظات التي أوردناها بخصوص التوطن الزراعي  والتي تخص التجانس المجالي وأحادية المركز وتكلفة النقل وعقلانية السلوك.

         فالمردود المجالي يمثل العامل الأساسي في تنظيم المجال حيث تتوطن مختلف الأنشطة حسب نظام طوقي متدرج تبعا للمردود المجالي والريع العقاري الحضري الذي يبلغ أقصاه في المركز.

         فالمردود المجالي يعكس أكثر من الدخل تأثير الريع ويتمثل في قيمة الربح الناتج في الوحدة المساحية (م2 – هك...) ونحصل عليه بطرح التكلفة الإجمالية من الدخل: مم = د - ك 

وتمثل التكلفة العقارية عنصرا هاما في التكلفة الإجمالية خلافا لنموذج فون تونن أين تتساوى قيمة الأرض. فهي التي تجعل الأنشطة تتوطن بعيدا ما عن المركز وبالتالي تكون تكلفة النقل مرتفعة.

 

تكمن حدود النموذج أساسا في فرضياته كما سبق أن تعرضنا إلى ذلك عند دراسة نموذج التوطن الفلاحي حيث نجد عدم إنتظام الأحزمة وعدم إكتماها وتمدد ها حوا محاور النقل ومحطاته وتداخلها وتراكبها تبعا لتراتب المراكز ذاتها.   

 

  

الخاتمة

             إنطلاقا من فرضيات مبسطة ومحدودة يمكننا نموذج ألنسو وونقو  من فهم آليات التوطن الحضري للأنشطة الاقتصادية والفئات الإجتماعية داخل المدينة. ويبدو عنصر النقل من أهم العناصر المحددة في التوطن شأنه شأن التوطن الزراعي إذ يلخص الإقتصاد الحضري وتغير الكثافات في المكان والزمان إنطلاقا من فرضيات بسيطة للغاية.

         وتبين لنا الحدود التي أوردنا بعضها هنا أنه بالإمكان تلافي بعض الثغرات وتحسين النماذج المقدمة علاوة على أن هناك نماذج أخرى وقعت صياغتها منذ السبعينات من شأنها أن تتجاوز بعض الهنات التي يمكن أن توجد في النماذج التقليدية. فمتغيرات كالإكتاض وتواجد عدة مراكز والتعريفة التراجعية للنقل وعدم تكافؤ الدخل أو التركيبة الأسرية كلها من شأنها أن تحدد التوطن واختيار المواضع.